محمد متولي الشعراوي
1111
تفسير الشعراوي
وهذه الآية الكريمة قد بيّنت ووضحت قواعد التصور الإيمانى ، وأنشأت عقيدة متكاملة يعتز المؤمن أن تكون هذه العقيدة عقيدته . والآية في ذاتها تتضمن حيثيات الإيمان ، إنه ما دام هو اللّه لا إله إلا هو ، وما دام هو الحىّ القيوم على أمر السماء والأرض ، وكل شئ بيده ، وهو العلىّ العظيم ، فكل هذه مبررات لأن نؤمن به سبحانه وتعالى ، وأن نعتز بأن نعتقد هذه المعتقدات ، وتكون هي الدليل على أن المؤمن فخور بهذا الدين الذي كان أمر الألوهية المطلقة واضحا وبيّنا فيه . ولذلك فمن الطبيعي ألا يقهر الحق أحدا على الإيمان به إكراها ، لأن الذي يقهر أحدا على عقيدة ما ، هو أول من يعتقد أنه لولا الإكراه على هذه العقيدة لما اعتقدها أحد . ونحن في حياتنا اليومية نجد أن أصحاب المبادئ الباطلة هم الذين يمسكون السياط من أجل إكراه الناس على السير على مبادئهم . وكل من أصحاب هذه المبادئ الباطلة يعلم تمام العلم أنه لو ترك السوط والقهر ما سار إنسان على مثل هذه المبادئ الباطلة . ولو كان أحد من أصحاب هذه المبادئ الباطلة معتقدا أن مبدأه سليم لقال : أطرح هذا المبدأ على الناس ، وأترك لهم الخيار ؛ لأنه في هذه الحالة سيكون واثقا من مبدئه . أما الذي يقهر الناس إكراها بالسوط أو السلطان ليعتقدوا مبدأ ما ، فهو أول من يشك في هذا المبدأ ، وهو أول من يعتقد أنه مبدأ باطل . مثل هؤلاء نراهم عندما تضعف أيديهم عن استعمال السوط أو السلطان فإن أمر مبدئهم ينهزم ويسقط بنيانه . والحق سبحانه وتعالى بعد ذلك يقول : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 256 ] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 )